ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ دَائِمًا بِصِفَةِ الْغَزْوِ الَّتِي قَامَتْ بِهِ ، بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَيَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ تِلْكَ الصِّفَةِ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، بِخِلَافِ الْفَقِيرِ وَالْعَامِلِ عَلَيْهَا وَالْغَارِمِ وَالْمُؤَلَّفِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ مَا أَخَذُوا بَعْدَ فَقْدِ الصِّفَةِ الَّتِي أَخَذُوهُ بِهَا ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ إِنْشَاءُ الْمُسْتَشْفَيَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ ، وَكَذَا الْخَيْرِيَّةُ الْعَامَّةُ ، وَإِشْرَاعُ الطُّرُقِ وَتَعْبِيدُهَا ، وَمَدُّ الْخُطُوطِ الْحَدِيدِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ لَا التِّجَارِيَّةِ ، وَمِنْهَا بِنَاءُ الْبَوَارِجِ الْمُدَرَّعَةِ وَالْمَنَاطِيدِ وَالطَّيَّارَاتِ الْحَرْبِيَّةِ وَالْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ .
وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا إِعْدَادُ الدُّعَاةِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِرْسَالُهُمْ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ مِنْ قِبَلِ جَمْعِيَّاتٍ مُنَظَّمَةٍ تَمُدُّهُمْ بِالْمَالِ الْكَافِي كَمَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ فِي نَشْرِ دِينِهِمْ ، وَقَدْ
بَيَّنَّا تَفْصِيلَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَظِيمَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (3: 104) الْآيَةَ . وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّفَقَةُ عَلَى الْمَدَارِسِ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعْطَى مِنْهَا مُعَلِّمُو هَذِهِ الْمَدَارِسِ مَا دَامُوا يُؤَدُّونَ وَظَائِفَهُمُ الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي يَنْقَطِعُونَ بِهَا عَنْ كَسْبٍ آخَرَ ، وَلَا يُعْطَى عَالِمٌ غَنِيٌّ لِأَجْلِ عِلْمِهِ ، وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ النَّاسَ بِهِ .