وفى جعل بيت المال هو الذي يقوم بهذا الأمر ، ويتولّى رعاية أبناء السبيل - فِي هذا ضمان موثّق لحماية هذه الطائفة ، إذ كان بيت المال بموارده الكثيرة ، أقدر على كفالة هذه الجماعة ، وتوفير أسباب الحماية لها .. ثم هو - من جهة أخرى - صيانة لكرامة الإنسان ، من أن يمدّ يده إلى غيره من الناس ، أو أن يستشعر أنه عالة على أحد .. الأمر الذي عافاه اللّه منه ، إذ جعل إلى « بيت المال » كفالة هذا الإنسان ، والبرّ به ، والإحسان إليه ..
ومن جهة أخرى .. فإن الإسلام قد نظر نظرة أوسع من هذا ، فلم يجعل إلى بيت المال وحده ، القيام بهذا الواجب حيال أبناء السبيل .. فقد يكون ابن السبيل فِي مكان لا تصل إليه يد « بيت المال » .. وقد يكون « بيت المال » ولا مال فيه يتّسع للوفاء بحاجة المحتاجين من أبناء السبيل.
ومن أجل هذا ، فقد فرض الإسلام على المسلمين جميعا ، القيام بهذا الواجب إذا عرض لهم ، وطلع عليهم ابن سبيل أو أبناء سبيل! روى البخاري ومسلم ، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول اللّه ، تبعثنا « 1 » فننزل بقوم فلا قروننا « 2 » ، فما ترى فِي ذلك؟ فقال - صلى اللّه عليه وسلم:
« إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم ما ينبغى للضيف فاقبلوا منهم ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغى لهم « 3 » ».
وعنه صلى اللّه عليه وسلم قال: « أيّما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما ، فإن حقّا على كل مسلم نصره ، حتى يأخذ بقرى ليلته .. من زرعه أو ماله. »
وعن أبى كريمة ، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: « ليلة الضيف واجبة على كل مسلم ، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه ، فإن شاء اقتضاه « 4 » ، وإن شاء تركه! » .
فإلى هذا الحدّ تبلغ عناية الشريعة الإسلامية ورعايتها للفقراء ، والضعفاء ،
(1) أي فِي سبيل اللّه.
(2) أي فلا يقدمون لنا ما يقدم للضيف.
(3) أي الذي ينبغى للضيوف.
(4) اقتضاه: أي أخذه الضيف منه.