ثم بعد ذلك جاء نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل فلم يحدث خلاف فيه - والخلاصة: أن الغنائم كلها تقسم خمسة أقسام خمسها لهؤلاء الخمسة وأربعة أخماسها الباقية للجيش المقاتل ؛ لأن الله تعالى بين حكم الخمس وسكت عن الباقي فدل ذلك على أنه للغانمين ثم يقول الحق:
{إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله} [الأنفال: 41] .
وهم بطبيعة الحال الحال مؤمنون بالله ، وكأن هذا القول جاء ليراجعوا إيمانهم إذا اعترضوا على هذا التقسيم . فإن طمع أحد منهم في الخمس الذي هو لله ورسوله ولم يقنع بأربعة الأخماس المقسمة - كما قال الله تعالى - يكون قد خدش إيمانه بمن أصدر هذا الأمر ، وسبحانه هو الذي أنزل هذا التقسيم . فمن زاغ وتطلعت عينه إلى شيء فليرد هذا الزيغ ؛ لأن الذي قسم هو الله الذي نصر المقاتلين . وإذا كان النصر هو الذي جاء بالغنائم ، فالذي أعطى النصر هو الله سبحانه وتعالى ، والنصر سبب من الله ، وما يوهب للإنسان من الحق ، على العبد أن يقبل فيه قسمة الله .
ومثال ذلك ما أراده الله للإنسان المسلم من حسن التصرف في ماله ، فهو في حياته حر ويملك حق التصرف في هذا المال ، واحتراماً لمشاعرك الاجتماعية والإنسانية والعاطفية في البيئة التي تحيا فيها ، جعل الله لك الحق في الوصية بأن تخصص ثلث مالك لما تريد ومن تريد ، فقد ترى أن هناك إنساناً من غير أقربائك وهو بطبيعة الحال لن يرثك ، ولكنه خدمك في حياتك أو في مرضك أو في شيخوختك ، وأنت تريد أن تترك شيئاً من ثروتك له ، اعترافاً بجميله ، أو لعل هناك أناساً من معارفك تعرف أنهم أحوج من أبنائك ، فتخصص لهم بعضاً من المال ، شرط ألا يتعدى الثلث ، فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يضع للعواطف الإيمانية الإنسانية في الناس مجالاً ، فترك لك الحرية في أن تتصرف في ثلث التركة ثم قسم سبحانه الثلثين على الورثة .
إذن فقول الحق تبارك وتعالى:
{إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله} [الأنفال: 41] .