اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة ، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة ، ووعدنا بإيضاحه هنا فذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحداً شيئاً إلا من الخمس ، وهو قول سعيد بن المسيب ، لأن الأخماس الأربعة. ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل ، والركاب. هذا مشهور مذهبه ، وعنه قول آخر: أنها من خمس الخمس.
ووجه هذا القول: أن اخماس الخمس الأربعة ، غير خمس الرسول صلى الله عليه وسلم لمصارف معينة في قوله: {وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين.
وأصح الأقوال عن الشافعي: أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس ، ودليله: ما ذكرنا آنفاً.
وعن عمرو بن شعيب أنه قال. لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة في (المغني) : ولعله يحتج بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} [الأنفال: 1] .
وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم: إلى أن للإمام أن ينفل الربع بعد الخمس في بدأته ، والثلث بعد الخمس في رجعته.
ومذهب أبي حنيفة: أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع ، أو الثلث ، أو أكثر ، أو أقل بعد الخمس ، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس.
وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة ، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه.
اعلم أولاً ، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام:
الأول: أن يقول الإمام لطائفة من الجيش: إن غنمتم من الكفار شيئاً ، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه ، فهذا جائز ، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع ، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد أخراج الخمس.