فالذي يتفق عليه جميع الأدلة ، ولا يكون بينها أي تعارض: هو ما قدمنا من القول بالتخيير بين قسم الأرض ، وإبقائها للمسلمين ، مع ما قدمنا من الحجيج ، والعلم عند الله تعالى.
وإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة ، فاعلم أن العلماء اختلفوا في رباع مكة: - هل يجوز تملكها ، وبيعها ، وإيجارها؟ - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك ، وبه قال أبو حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري ، ومجاهد ، وعطاء ، وطاوس ، وإبراهيم ، والحسن ، وإسحاق. وغيرهم.
وكرهه مالك - رحمه الله - .
وأجاز جميع ذلك الشافعي ، وأبو يوسف.
وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم.
وتوسط الإمام أحمد ، فقال: تملك ، وتورث ، ولا تؤجر ، ولا تباع ، على إحدى الروايتين ، جمعاً بين الأدلة ، والرواية الثانية كمذهب الشافعي.
وهذه المسألة: تناظر فيها الإمام الشافعي ، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف - والإمام أحمد بن حنبل حاضر - فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة ، بعد أن قال له: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك ، فكنت آمر بفرك أذنيه ، أنا أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت تقول: قال طاوس ، والحسن ، وإبراهيم ، وهل لأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة؟ - في كلام طويل - .
ونحن نذكر إن شاء الله أدلة الجميع ، وما يقتضي الدليل رجحانه منها.
فحجة الشافعي - رحمه الله - ومن وافقه بأمور.