واستدل قائلو هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"وهو ثابت في الصحيح ، وهذا الخلاف في مكة هل أخذها النَّبي صلى الله عليه وسلم عنوة؟ وهو قول الجمهور ، أو أخذ لها الأمان. والأمان شبه الصلح ، عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله: في غزوة الفتح يعني مكة.
واختلفوا فيها فقيل أمنت... وقيل عنوة وكرهاً أخذت
والحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله. ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة ، أن مكة ليست كغيرها من البلاد ، لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة ، وإنما أحلت له صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده ، وما كان بهذه المثابة ، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة.
وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر ، وهو أن النَّبي صلى الله عليه وسلم استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين ، ويدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع أن بعض الأنصار قال: يمنعنا ويعطي قريشاً ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ، جمعهم النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وكلمهم كلامه المشهور البالغ في الحسن ، ومن جملته أنه قال لهم:"ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم"إلى آخر كلامه ، فرضي القوم ، وطابت نفوسهم ، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظاً ، وهذا ثابت في الصحيح ، ونوه الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به صلى الله عليه وسلم بقوله: في غزوة حنين.
ووكل الأنصار خير العالمين... لدينهم إذ ألف المؤلفين
فوجدوا عليه أن منعهم... فأرسل النَّبي من جمعهم
وقال قولاً كالفريد المؤنق... عن نظمه ضعف سلك منطقي