وبعد أن قص الله تعالى خبر قوم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين، وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم، بأن بين لهم الحق على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، وبعد أن بين الله سنته في الإهلاك بعد الإعذار وتقليب الأحوال، وبعد أن حذر العالم من عقابه، وبعد أن عجب من الغفلة بعد رؤية ما حدث للأمم أنهى هذا المقطع بأن بين لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه يقص عليه من أخبار الأمم السابقة، وأن هذه الأمم الهالكة قد جاءتهم رسلهم بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، وأنهم لم يؤمنوا بما جاءتهم به الرسل؛ بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم كبرا فاستحقوا أن يطبع الله على قلوبهم، ثم بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أكثر الأمم السابقة لم يكن عندها وفاء لعهد الله الذي أخذه عليهم، بما جبلهم عليه وفطرهم، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، فأقروا بذلك وشهدوا
على أنفسهم به، ثم هم خالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا من شرع، بل في الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عنه، ومع ذلك فقد نقضت أكثر الأمم عهد الله هذا، ثم بين تعالى أن أكثر الأمم السابقة فاسقة، خارجة عن الطاعة والامتثال.
وبتقرير هذا المعنى ينتهي المقطع، بعد أن استقر من خلاله ضرورة اتباع هدى الله المنزل ومآل العاصين والطائعين، وسنة الله في هؤلاء وهؤلاء، ومنها نفهم أن أكثرية الخلق لا تتبع الهدى، حتى لا يكون استغراب ولا تعليق للهدى بأكثرية أو أقلية. فالحق حق قبله الأكثرون أو رفضوه. وأهل الحق ناجون قلة كانوا أو كثرة. وأهل الباطل هالكون مهما كثروا.
ويجئ المقطع بما يحقق محور السورة ويعمقه، وعلى خطه وسياقه، ولا يحتاج إدراك ذلك إلى بذل جهد قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ