"نَعَمْ رُبَّمَا يَمِيلُ كَلَامُهُ وَكَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَعَادَيْنِ إِلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ لِذَلِكَ الْبَدَنِ بَدَنًا فَيُعِيدُ إِلَيْهِ نَفْسَهُ الْمُجَرَّدَةَ الْبَاقِيَةَ بَعْدَ خَرَابِ الْبَدَنِ . وَلَا يَضُرُّنَا كَوْنُ غَيْرِ الْبَدَنِ الْأَوَّلِ بِحَسَبِ الشَّخْصِ وَلَا امْتِنَاعُ إِعَادَةِ الْمَعْدُومِ بِعَيْنِهِ ، وَمَا شَهِدَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ كَوْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ جُرْدًا مُرْدًا ، وَكَوْنِ ضِرْسِ الْكُفَّارِ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ يُعَضِّدُ ذَلِكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) (4: 56) وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (36: 81) إِشَارَةً إِلَى هَذَا ."
(فَإِنْ قِيلَ) : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُثَابُ وَالْمُعَاقَبُ بِاللَّذَّاتِ وَالْآلَامِ الْجُسْمَانِيَّةِ غَيْرَ مَنْ عَمِلَ الطَّاعَةَ ، وَارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ . (قُلْنَا) : الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْإِدْرَاكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّوحِ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ الْآلَاتِ وَهُوَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ ، وَكَذَا الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ مِنَ الْبَدَنِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلشَّخْصِ مِنَ الصِّبَا إِلَى الشَّيْخُوخَةِ إِنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الصُّوَرُ وَالْهَيْئَاتُ ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْآلَاتِ وَالْأَعْضَاءِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ جَنَى فِي الشَّبَابِ فَعُوقِبَ فِي الْمَشِيبِ إِنَّهَا عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي .