فَلْيَنْظُرَنَّ الْمَرْءُ مِنْ غِلْمَانِهِ ... فَهُمْ خَلَائِفُهُ عَلَى أَخْلَاقِهِ
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّفْسِ حَالَتَيْنِ: حَالَةُ اسْتِرَاحَةٍ إنْ حَرَّمْتُهَا إيَّاهَا كَلَّتْ، وَحَالَةُ تَصَرُّفٍ إنْ أَرَحْتهَا فِيهَا تَخَلَّتْ. فَالْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ تَقْدِيرُ حَالَيْهِ: حَالُ نَوْمِهِ وَدَعَتِهِ، وَحَالُ تَصَرُّفِهِ وَيَقِظَتِهِ، فَإِنَّ لَهُمَا قَدْرًا مَحْدُودًا وَزَمَانًا مَخْصُوصًا يَضُرُّ بِالنَّفْسِ مُجَاوَزَةُ أَحَدِهِمَا، وَتَغَيُّرُ زَمَانِهِمَا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «نَوْمَةُ الصُّبْحَةِ مَعْجَزَةٌ مَنْفَخَةٌ مَكْسَلَةٌ مَوْرَمَةٌ مَفْشَلَةٌ مَنْسَأَةٌ لِلْحَاجَةِ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: النَّوْمُ ثَلَاثَةٌ: نَوْمُ خَرَقٍ وَهِيَ الصُّبْحَةُ، وَنَوْمُ خَلَقٍ وَهِيَ الْقَائِلَةُ، وَنَوْمُ حُمْقٍ وَهُوَ الْعَشِيُّ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَوْمُ الضُّحَى خَرَقٌ، وَالْقَيْلُولَةِ خَلَقٌ، وَنَوْمُ الْعَشِيِّ حُمْقٌ» .
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ لَزِمَ الرُّقَادَ عَدِمَ الْمُرَادَ.
فَإِذَا أَعْطَى النَّفْسَ حَقَّهَا مِنْ النَّوْمِ وَالدَّعَةِ، وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ بِالتَّصَرُّفِ وَالْيَقِظَةِ، خَلَصَ بِالِاسْتِرَاحَةِ مِنْ عَجْزِهَا وَكَلَالِهَا، وَسَلِمَ بِالرِّيَاضَةِ مِنْ بَلَادَتِهَا وَفَسَادِهَا.
وَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ: يَا أَبَتِ أَتَنَامُ وَالنَّاسُ بِالْبَابِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ نَفْسِي مَطِيَّتِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُتْعِبَهَا فَلَا تَقُومَ بِي. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَسِّمَ حَالَةَ تَصَرُّفِهِ وَيَقِظَتِهِ عَلَى الْمُهِمِّ مِنْ حَاجَاتِهِ فَإِنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ لَازِمَةٌ وَالزَّمَانُ يَقْصُرُ عَنْ اسْتِيعَابِ الْمُهِمِّ، فَكَيْفَ بِهِ إنْ تَجَاوَزَ إلَى مَا لَيْسَ بِمُهِمٍّ هَلْ يَكُونُ إلَّا:
كَتَارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالْعَرَاءِ ... وَمُلْبِسَةٍ بَيْضَ أُخْرَى جَنَاحَا