وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْجَسَدِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْعَقْلُ سَتْرَ بَاقِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْعَوْرَةُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُ مِنْ سَتْرِهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا. وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ وُفُورِ الْعَقْلِ وَصِحَّةِ الْأَلْبَابِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً وَيُحَرِّمُونَ عَلَى نُفُوسِهِمْ اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ.
وَيَرَوْنَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا الْقُرَبُ مَا اسْتُحْسِنَتْ فِي الْعَقْلِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: خُذُوا زِينَتَكُمْ، الثِّيَابَ الَّتِي تَسْتُرُ عَوْرَاتِكُمْ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا مَا حَرَّمْتُمُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنْ اللَّحْمِ وَالْوَدَكِ. وَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُسْرِفُوا فِي التَّحْرِيمِ وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَالثَّانِي: لَا تَأْكُلُوا حَرَامًا فَإِنَّهُ إسْرَافٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. فَأَوْجَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ الْعَقْلُ مُوجِبًا لَهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَتْرَهَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ.
وَأَمَّا الْجَمَالُ وَالزِّينَةُ فَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَهُ عَقْلٌ أَوْ شَرْعٌ. وَفِي هَذَا النَّوْعِ قَدْ يَقَعُ التَّجَاوُزُ وَالتَّقْصِيرُ وَالتَّوَسُّطُ الْمَطْلُوبُ فِيهِ مُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي صِفَةِ الْمَلْبُوسِ وَكَيْفِيَّتِهِ. وَالثَّانِي: فِي جِنْسِهِ وَقِيمَتِهِ.
فَأَمَّا صِفَتُهُ فَمُعْتَبَرَةٌ بِالْعُرْفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عُرْفُ الْبِلَادِ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ زِيًّا مَأْلُوفًا، وَلِأَهْلِ الْمَغْرِبِ زِيًّا مَأْلُوفًا، وَكَذَلِكَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ عَادَاتٌ فِي اللِّبَاسِ مُخْتَلِفَةٌ.