(وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) هَذَا حُكَمٌ آخَرُ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ الَّتِي لَا يَسْتَحْسِنُهَا عَقْلٌ سَلِيمٌ ، وَلَمْ تَسْتَنِدْ إِلَى شَرْعٍ إِلَهِيٍّ قَوِيمٍ ، أَيْ وَمِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينُ لِقِسْمَةِ الْقَرَابِينِ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ آلِهَتِهِمْ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شُرَكَاؤُهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ . فَأَمَّا الشُّرَكَاءُ هُنَا فَقِيلَ: هُمْ سَدَنَةُ الْآلِهَةِ وَخَدَمُهَا وَقِيلَ: بَلْ هُمُ الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ يُوَسْوِسُونَ لَهُمْ مَا يُزَيِّنُ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَرِيكًا لِأَنَّهُ يُطَاعُ وَيُدَانُ لَهُ فِيمَا لَا يُطَاعُ بِهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى ، وَلِهَذَا التَّزْيِينِ وُجُوهٌ:
(أَحَدُهَا) اتِّقَاءُ الْفَقْرِ الْوَاقِعِ أَوِ الْمُتَوَقَّعِ ، فَالْأَوَّلُ هُوَ مَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (6: 151) وَالثَّانِي مَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) (17: 31) وَقَدَّمَ فِي الْأَوَّلِ رِزْقَ الْوَالِدَيْنِ عَلَى رِزْقِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ تَابِعٌ لِوَالِدِهِ فِي الرِّزْقِ الْحَالِّ ، وَقَدَّمَ فِي الثَّانِي رِزْقَ الْأَوْلَادِ عَلَى رِزْقِ الْوَالِدَيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ ، وَكَثِيرًا مَا يَعْجَزُ فِيهِ الْآبَاءُ عَنْ كَسْبِ الرِّزْقِ وَيَحْتَاجُونَ إِلَى إِنْفَاقِ أَوْلَادِهِمْ عَلَيْهِمْ: