قال جل جلاله بلسان الفعل والمقال: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي محل إقامتكم الدائم الخالد الذي لَا ينتهي، فله ابتداء وليس له انتهاء، و (المثوى) اسم مكان من ثوى يثوى بمعنى أقام إقامة دائمة لَا يخرج منها مختارا، فالغالب فيها الإقامة الاختيارية، وقد عبر بها هنا تهكما عليهم، كأنهم اختاروا بأفعالهم؛ إذ قد اختاروا أسبابها، ومن اختار بابا فقد اختار الدخول فيه، وإن التعبير بـ (خالدين) يدل على البقاء الدائم بمشيئة الله تعالى الخالدة، وبإنذاره بذلك في عدة من آياته.
ولكنه قال سبحانه وتعالى مستثنيا: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فهل هذا الاستثناء يدل على أن النار لها نهاية، تنتهي بمشيئة الله تعالى وأنه لَا خلود فيها؛ وكذا قال بعض العلماء ونسب هذا القول إلى ابن تيمية، وقرره ابن القيم في كتابه حادي الأرواح.
ونحن نرى أنه قول يناقض الآيات الكثيرة الواردة في خلود الجنة وخلود النار، وأن الحياة الآخرة ليست إلى فناء، وإنما هي دار البقاء، ولا دار بعدها ينتقل إليها الناس، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته التي أنذر فيها عشيرته الأقربين، وصدع فيها بأمر ربه، قال:"إنها للجنة أبدا، أو النار أبدا، وإني لنذير لكم بين يدي عذاب شديد"، وإن الله تعالى يقرر الخلود، ولا يترك أجسامهم تبلى من العذاب إذ يقول تعالت كلماته: (. . . كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ليَذُوقُوا الْعَذَابَ. . .) .