والجن هنا هم إبليس وجنده من الشياطين كما تدل على ذلك الآيات الكريمة، وكما يدل على قسمه بأن يغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين، ولم يَرُدَّ الجن، أو لم يذكر الله تعالى جوابا لهم؛ لأن ماضي قولهم يدل على فعلهم، فلم يكن سبيل لأن يردوا، وقد توعدوا المؤمنين وجاهروا بعصيان ربهم، فلم يبق إلا أن ينالوا الجزاء راضين أو ساخطين (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ) المغرورين، لأنهم لم يكونوا قد رأوا العذاب بما ذكر سبحانه وتعالى بقوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) .
قالوا غير مدركين عاقبة أقوالهم ظانين أنهم في لهو كلهو الدنيا، أو لعب كلعبها، أو قائلين بلسان الواقع الذي هم فيه، فهم قالوا بلسان الحال، لَا بلسان المقال، وقد نطقت أيديهم وجوارحهم بما كانوا يفعلون، (رَبَّنَا) شاعرين بمعاني الربوبية الكاملة التي لم يشعروا بها في الدنيا، (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) ، أي انتفع بعضنا ببعض انتفاع متعة وبهجة، استمتعنا بإِغرائهم، فاجترفنا من اللذات والشهوات، والأحقاد، والعداوات، ووجدوا هم متعة في إغرائنا، وإغوائنا، وتلهينا، وتعابثنا، وكأنَّهم يجدون متعة في متعتنا، ولذة في لذاتنا، كانت هذه حالهم، ونريد أن نذكر إشارة بيانية في التعبير بقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) فإن التعبير بالحشر، يشير إلى أمرين أولهما - أنه يجمعهم غير مختارين ولا مريدين، وثانيهما - أنه يشير إلى كثرتهم، وأن الكثرة الكاثرة لم تمنعه تعالى من جمعهم وحسابهم، ومؤاخذتهم على ما فعلوا، ولقد قال تعالى في جزائهم: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) .