وهو تجمع رهيب فعلا ، تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام ، مع القوى المادية والثقافية ، مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة.. وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} .. كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين ، وعلى المؤمنين..
ثم نعود مع السياق إلى شطر المشهد الأخير:
{يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا شهدنا على أنفسنا ، وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ..
وهو سؤال للتقرير والتسجيل. فالله - سبحانه - يعلم ما كان من أمرهم في الحياة الدنيا. والجواب عليه إقرار منهم باستحقاقهم هذا الجزاء في الآخرة..
والخطاب موجه إلى الجن كما هو موجه إلى الإنس.. فهل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس؟ الله وحده يعلم شأن هذا الخلق المغيب عن البشر. ولكن النص يمكن تأويله بأن الجن كانوا يسمعون ما أنزل على الرسل ، وينطلقون إلى قومهم منذرين به. كالذي رواه القرآن الكريم من أمر الجن في سورة الأحقاف: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه ، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر لكم من ذنوبكم ، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ، وليس له من دونه أولياء. أولئك في ضلال مبين}