وَالْجَزَاءِ وَغَيْرِهِمَا . وَالْجُمْلَةُ تُفِيدُ الْحَصْرَ أَوِ الْقَصْرَ كَمَا قَالُوا . أَيْ وَرَبُّكَ غَيْرُ الْغَافِلِ عَنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ هُوَ الْغَنِيُّ الْكَامِلُ الْغِنَى ، وَذُو الرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبَيَانُهُ أَنَّ الْغِنَى هُوَ عَدَمُ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَكَمَالِ مَعْنَاهُ ، بَلْ أَصْلُ مَعْنَاهُ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ ، وَالصِّفَاتُ الْكَمَالِيَّةُ بِذَاتِهِ ، وَهُوَ الرَّبُّ الْخَالِقُ ; إِذْ كَلُّ مَا عَدَاهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي وُجُودِهِ وَبَقَائِهِ ، وَمُحْتَاجٌ بِالتَّبَعِ لِذَلِكَ إِلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى قِوَامَ وَجُودِهِ . وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْخَلْقِ هَذَا غَنِيٌّ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِأَهَمِّ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، فَغِنَى النَّاسِ مَثَلًا إِضَافِيٌّ عُرْفِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ مُطْلَقٌ ، فَإِنَّ ذَا الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُسَمَّى غَنِيًّا كَثِيرَ الْحَاجَاتِ فَقِيرٌ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ كَالزَّوْجِ وَالْخَادِمِ وَالْعَامِلِ وَالطَّبِيبِ وَالْحَاكِمِ ، دَعْ حَاجَتَهُ إِلَى خَالِقِهِ وَخَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ ، الَّتِي قَالَ تَعَالَى فِيهَا: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (35: 15) وَقَدْ"كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ مَعَهُ"غَنِيًّا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ"وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى عَمَلِ الطَّائِعِينَ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ بَلْ يَنْفَعُهُمْ ، وَلَا إِلَى دَفْعِ عَمَلِ الْعَاصِينَ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ بَلْ يَضُرُّهُمْ ، فَالتَّكْلِيفُ وَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ رَحْمَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِهِمْ يَكْمُلُ"