يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ آمَنُوا عِقَابَ اللَّهِ، وَأَيْقَنُوا بِرِضَاهَ عَنْهُمْ، فَقَدْ آمَنُوا الْخَوْفَ الَّذِي كَانُوا يَخَافُونَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَنَكَدِ عَيْشِهَا، لِلْخَفْضِ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ وَالدَّعَةِ وَالزُّلْفَةِ، وَنَصَبَ أَنْ لَا بِمَعْنَى: يَسْتَبْشِرُونَ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} «أَيْ وَيُسَرَّونَ بِلُحُوقِ مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ، لِيُشْرِكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ، وَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْخَوْفَ وَالْحَزَنَ»
عَنِ السُّدِّيِّ: أَمَّا {يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} ،"فَإِنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتَى بِكِتَابٍ فِيهِ مَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إِخْوَانِهِ وَأَهْلِهِ، فَيُقَالُ: يَقْدُمُ عَلَيْكَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَيَقْدُمُ عَلَيْكَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَيَسْتَبْشِرُ حِينَ يَقْدُمُ عَلَيْهِ، كَمَا يَسْتَبْشِرُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِقُدُومِهِ فِي الدُّنْيَا"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) }
يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: {يَسْتَبْشِرُونَ} يَفْرَحُونَ {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ}
يَعْنِي بِمَا حَبَاهُمْ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ عَظِيمِ كَرَامَتِهِ عِنْدِ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ {وَفَضْلٍ}
يَقُولُ: وَبِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَضْلِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}