فَلَا تَصِحُّ هُنَا لِأَنَّنَا مَا غِبْنَا عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَغِيبَ عَنْهُ فَنَرْجِعَ إِلَيْهِ ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ فِي غَفْلَتِهِ وَشُغُلِهِ بِشُئُونِهِ الْحَيَوَانِيَّةِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ اسْتِقْلَالًا تَامًّا بِنَفْسِهِ وَأَنَّ لَهُ رُؤَسَاءَ وَأُمَرَاءَ يَخَافُهُمْ وَيَرْجُوهُمْ ، وَيَرَى أَنَّهُ تَعْرِضُ لَهُ حَاجَاتٌ وَضَرُورَاتٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِدَّ لَهَا بِتَكْثِيرِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ مِنْ حَرَامٍ وَحَلَالٍ . فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ تَكُونُ لَهُ شُغُلًا شَاغِلًا رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ وَقْتَهُ فَيَصْرِفُهُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي مَنَافِعِ التَّسَامُحِ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْهُمْ ، فَكَانَ أَنْفَعَ دَوَاءٍ لِمَرَضِ انْصِرَافِ النَّفْسِ
عَنِ التَّفَكُّرِ فِي سُلْطَانِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ تَمَامُ حِكْمَتِهِ - التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَبْطُلُ فِيهِ هَذِهِ الشَّوَاغِلُ ، وَتَتَلَاشَى هَذِهِ الصَّوَارِفُ ; حَتَّى لَا يَشْغَلَ الْإِنْسَانَ فِيهِ شَيْءٌ مَا عَنِ اللهِ - تَعَالَى - وَمَا أَعَدَّهُ مِنَ الْجَزَاءِ لِلْعِبَادِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ أَيْ تُجَازَى عَلَى مَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً وَافِيًا وَهَمْ لَا يُظْلَمُونَ أَيْ لَا يُنْقَصُونَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، بَلْ قَدْ يُزَادُ الْمُحْسِنُونَ مِنْهُمْ فَيُعْطَوْنَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى .