وفي ثنايا السورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات تحتوي توجيها خاصا للرسول (صلى الله عليه وسلم) وتعليما له في شأن تلقي هذا القرآن . ويبدو أن هذا التعليم جاء بمناسبة حاضرة في السورة ذاتها . إذ كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يخاف أن ينسى شيئا مما يوحى إليه , فكان حرصه على التحرز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقيه ; وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه . فجاء هذا التعليم: (لا تحرك به لسانك لتعجل به , إن علينا جمعه وقرآنه , فإذا قرأناه , فاتبع قرآنه , ثم إن علينا بيانه) . . جاءه هذا التعليم ليطمئنه إلى أن أمر هذا الوحي , وحفظ هذا القرآن , وجمعه , وبيان مقاصده . . كل أولئك موكول إلى صاحبه . ودوره هو , هو التلقي والبلاغ . فليطمئن بالا , وليتلق الوحي كاملا , فيجده في صدره منقوشا ثابتا . . وهكذا كان . . فأما هذا التعليم فقد ثبت في موضعه حيث نزل . . أليس من قول الله ? وقول الله ثابت في أي غرض كان ? ولأي أمر أراد ? وهذه كلمة من كلماته تثبت في صلب الكتاب شأنها شأن بقية الكتاب . . ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السورة دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كل كلمات الله في أي إتجاه . . وفي شأن هذا القرآن وتضمنه لكل كلمات الله التي أوحى بها إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يخرم منها حرف , ولم تند منها عبارة . فهو الحق والصدق والتحرج والوقار !
وهكذا يشعر القلب - وهو يواجه هذه السورة - أنه محاصر لا يهرب . مأخوذ بعمله لا يفلت . لا ملجأ له من الله ولا عاصم . مقدرة نشأته وخطواته بعلم الله وتدبيره , في النشأة الأولى وفي النشأة الآخرة سواء , بينما هو يلهو ويلعب ويغتر ويتبطر: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى . ثم ذهب إلى أهله يتمطى) . .