فلما مات الرجل ، قال بنوه فيما بينهم: إن أبانا كان عياله أقل ، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر.
وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل ، كي لا يشعر بهم المساكين ، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة ، فذلك قوله: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ} يعني: بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل.
والطائف: الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون.
{مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم} يعني: صارت الحديقة كالليل المظلم.
وقال القتبي: الصريم: من أسماء الأضداد.
يسمى الليل صريماً ، والصبح صريماً ، لأن الليل ينصرم عن النهار ، والنهار ينصرم عن الليل.
ويقال: الصريم يعني: ذهب ما فيها ، فكأنه صرم أي قطع وجز.
ثم قال: {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} يعني: نادى بعضهم لبعض {أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ} يعني: اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم.
{إِن كُنتُمْ صارمين} يعني: إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين.
{فانطلقوا} يعني: ذهبوا إِلى نخيلهم ، {وَهُمْ يتخافتون} يعني: يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ} قال مقاتل: يعني: على جد في أنفسهم.
{قادرين} على جنتهم ؛ وقال الزجاج: معناه على قصد ، وقال القتبي: الحرد المنع ، ويقال: الحرد القصد قادرين واجدين ؛ ويقال: على قوة ونشاط ، ويقال: على طريق جنتهم ، ويقال: الحرد اسم تلك الجنة.
{فَلَمَّا رَأَوْهَا} يعني: أتوها ورأوها مسودة ، أنكروها.
{قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ} يعني: أخطأنا الطريق ، وليست هذه جنتنا.
فلما تفحصوا وعلموا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم ، فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} يعني: حُرِمْنا منفعتها.
{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} يعني: أعدلهم وأعقلهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ} يعني: هلا تستثنون في أيمانكم.