ثم قال: {سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم} يعني: سنضربه على الوجه ، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة ، ويقال: سنسمه على أنفه ؛ وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب ، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة ، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء ، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه ، كما أن السمة لا يعفو أثرها.
وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف ، والمهانة ، والمشي بالنميمة ، والبخل ، والظلم ، والإثم ، والدعوى ، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
قال: والذي يدل على هذا ، ما روي ، عن الشعبي في قوله: {عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} يعني: القتل الشديد.
والزنيم: له زنمة من الشر ، يعرف بها كما تعرف الشاة.
ثم قال: {إِنَّا بلوناهم} يعني: اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء ؛ ويقال: ابتليناهم بالجوع والشدة.
ثم قال: {كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة} يعني: أهل ضيروان ، وهي قبيلة باليمن.
وروى أسباط ، عن السدي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً ، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين ، فلم يمنعهم من دخولها ، وأن يأكلوا منها ، وأن يتزودوا فيها.
فلما مات أبوهم ، قال بنوه بعضهم لبعض: على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟ فقالوا: فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين.
ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون ، ويقول بعضهم لبعض خفياً: أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله: {إِذْ أَقْسَمُواْ} يعني: حلفوا فيما بينهم.
{لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} يعني: ليُجدنَّها وقت الصبح ، أي: ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين.
{وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} يعني: لم يقولوا: إن شاء الله تعالى.
وروي في الخبر: أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل ، اجتمع هناك مساكين كثيرة.
وقد جعل له علامة ، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات ، كانت للمساكين.
فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة.