والذي نطمئن إليه ، والله أعلم ، هو أن يكون استدراجهم إلى ما يأتي من التحدي بالمعاجزة ، ثلزمهم بها الحجة على إعجاز القرآن ، بعد أن أملى لهم فقالوا فيه ما وسعهم أن يقولوه. ونستأنس لهذا الفهم بآيات الأعراف:
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}
أملى لهم: أمهله وأرخي له في عنانع ، لتكون الحجة ألزم والعقاب أفدح. وبغتة الأخذ ، تأتي من قوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} .
والأجر: جزاء العمل. وسياق الآية أنه من الأجر المادي ، بشاهد من النص {فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} . وغرم مصدر ميمى من الغرم.
وقد أمر الله رسوله ، أن يترك له أمر هؤلاء الطغاة المكذبين ، الذين يجحدون داعي الحق ، وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يسألهم أجراً على ما يهديهم إليه من خير الدنيا والآخرة ، فيثقلهم المغرم. وما كان عندهم علم بالغيب ، ليجادلوه فيما يتلو من وحي ربه:
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}
صاحب الحوت هو يونس عليه السلام (الصافات 139) وقصته طويلة ، نقتصر فيها على ما جاء في القرآن الكريم ، ولا يكاد في جملته يخرج عما في سورة القلم حيث تلفت الآيات إلى جوهر القصة ومناط العبرة ، والخطاب فيها إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، تقوية له على ما يحتمل من أذى المكذبين ، ورياضة له على الصبلا لحكم ربه عن رضى وتسليم ، لا عن غيظ مكبوت وضيق مكظوم.
ثم تختم سورة القلم بهاتين الآيتين: