وهنا نكتشف كيف أن السرد القرآني يؤصل لظاهرة حداثية، على عكس ما لاحظه فلادمير بروب (Vladimir Propp) ، في دراسته للحكاية الشعبية الروسية. وهي ظاهرة ارتكاب الفعل المحظور من قبل الشخصيات الحكائية وأكّدها الباحث عبد الملك مرتاض بقوله، تعليقاً على ما ذهب إليه بروب:"والحق هو ذاك. فإن معظم الحكايات الشعبية - عبر معظم الآداب العالمية بما فيها الحكايات الشعبية العربية وفي طليعتها حكايات ألف ليلة وليلة - تولع بالقيام على الحدث المحظور".
غير أن هذه الظاهرة، لم نألف وقوعها في القص القرآني، والذي نألفه هو العكس. ذلك أن الفعل المحظور يبقى كذلك، لأن السردية القرآنية تنهض على مبدأ تعميق الأبعاد الأخلاقية.
إن الحدث المحظور - هنا - يظهر حينما انزوى موسى إلى ظل شجرة - بعد أن نال منه الجوع - يتداعى صوراً حدثت له وستحدث في نجوى بطولية، يوقعها ظل الشجرة، وتتجاوب معها أنفاسه المنبعثة من الداخل، ويشارك فيها ذهنه الشارد إلى حيث الرعاء والبئر والمرأتان.
وفجأة يقطع عليه نجواه صوت امرأة مهدّج يفيض عذوبة في حياء ووقار قائلة: {إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا} .
لا شك أن الفتاة كانت وحدها، ولا شك أن حديثها كان جذاباً، الأمر الذي جعل القرآن يصفها بهذا الوصف المثير أيضاً، {فجَاءتْه إحْداهُما تَمشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ} .
ولا شك أن عاطفة الأنوثة قد تحرّكت بداخلها بوصفها امرأة، وهي متجهة نحو موسى، تختلس النظرة تلو الأخرى عبر أهدابها الثاقبات، ولا شك أيضاً أن صوتها كان خافتاً تتهدجه عاطفة الإعجاب بموسى بالرغم من حيائها.
ولعل الحياء - بوصفه عنصراً عاطفياً يزيد المرأة تغنجاً ودلالاً - هو الذي ساعد على أن يبقى الحدث المحظور محظوراً.