إن السرد القرآني يعمد مرة أخرى إلى إعمال المفردة بديلاً عن الشخصية، من خلال هذا المشهد.
لنلاحظ كلمة"يترقّب"إننا نتحسس حركة موسى وهو في التفات مستمر يميناً وشمالاً، وهو يمشي بِخُطىً يشوبها كثير من الحذر.
فالسردية القرآنية أهملت الشخصية واهتمت بجزء واحد فيها. وبهذا فهي تؤصل لمبدئية فنية تنهض عليها السردية الجديدة.
فكلمة يترقب تخفي سرداً كثيفاً، وهو ما نطلق عليه: تقنية الإضمار.
إن المفردة - بهذه الصورة - هي الشخصية، فعنها تتكشف دواخلها، وعنها تتراءى المعاني التي تخفيها"ولن يقتصر الموقف على الكلمات التي تنطلق منه (الشخصيات) بل يمتد الشعور معك إلى إحساسك بالجو الذي يخيم على الموقف، وبالمعاني الخفية التي تختفي وراء الكلمات تماماً كما لو كان البطل يتحدث إليك حيث تندمج معه بالإيحاء مع الكلمة وبالإحساس الخفي مع الكلمة".
وعسى أن يكون التغير الجوهري الذي طرأ على البنية السردية، هو أن الثنائية أو الازدواجية التي أومأنا إليها، تختفي تدريجياً. بحيث وجدنا الشخصية في المشهد الأول، قد اتسمت بالتهور حين أقدمت على قتل القبطي، وبالحكمة حين أعلنت توبتها.
أما في المشهد الثاني فخط التهور اختفى برفض موسى مناصرة الإسرائيلي. على حين يستمر خط التعقل الذي ترسمه هذه الآية {قَالَ لَهُ مُوسَى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} .
إن عوامل الطيبة والتعقل والتوبة، يكون قد صرّح بها القرآن على لسان السارد (الإله) وذلك في قوله {وأَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنّي ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنَي} . ويكون موسى نفسه قد أعلنها توبة نصوحاً بعد قتله القبطي {رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي} .
وبتجديد استخدام الخط الوضاء المجسد لتوبة موسى، تتضح الكيفية التي يتخلص فيها السرد من عقدة تقديس الشخصية، ويستثمر بدلها ما ينوب عنها (يترقب) ويمكن تسمية هذه النقلة الفنية، بالمعوض السردي.