وخيره الله تعالى بين أن يكون عبداً نبياً وبين أن يكون ملكاً نبياً فاختار أن يكون عبداً نبياً.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلّم - كان يقول: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» كان ذلك تواضعاً وتذللاً لله عز وجل، وإشفاقاً على نفسه من الطغيان والاشتغال بالمال من عبادة الرحمن.
وكان فراشه الذي قبض عليه محشواً من وبر الإبل، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه وكان له فراش من أدم، حشوه ليف، ووسادة حشوها ليف.
وجاء أنه ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلّم - من خبز البر مذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعاً حتى قبضه الله عز وجل.
ولما أفاء الله تعالى عليه القرى القريبة كان يحبس من غلاتها لعياله قوت سنة ويصرف ما فضل إلى الكراع والسلاح عدة في سبيل الله والأخبار في هذا الباب كثيرة وهي موجودة فيما جمعه الناس في الزهد والوقوف عليها ممكن.
وأما براءته - صلى الله عليه وسلّم - في النبوة، فمنها أنه كان رسول الثقلين.
وأما الإنس فإن الله - عز وجل - قال: {قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وأمره أن يقول: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} .
وأما الجن فإن الله تعالى يقول له: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} .
وقال: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} فبان بقولهم، يا قومنا أجيبوا داعي الله أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم وسمعوا دعوته إياهم، والذين لم يحضروه من جملتهم، فلذلك قالوا: يا قونا أجيبوا داعي الله وآمنوا به.
فقالوا: آمنا به. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...