والإهلاك: الإِماتة ، ومقابلةُ {أهلكني} بـ {رحِمنا} يدل على أن المراد: أو رحمنا بالحياة ، فيفيد أن الحياة رحمة ، وأن تأخير الأجل من النعم ، وإنما لم يؤخر الله أجل نبيئه صلى الله عليه وسلم مع أنه أشرف الرسل لحِكَم أرادها كما دلّ عليه قوله:"حياتي خيرٌ لكم وموْتي خيرٌ لكم"، ولعلّ حكمة ذلك أن الله أكمل الدين الذي أراد إبلاغه فكان إكماله يوم الحج الأكبر من سنة ثلاث وعشرين من البعثة ، وكان استمرار نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم خصِّيصية خصّه الله بها من بين الأنبياء ، فلما أتم الله دينه ربا برسوله صلى الله عليه وسلم أن يبقى غير متصل بنزول الوحي فنقله الله إلى الاتصال بالرفيق الأعلى مباشرة بلا واسطة ، وقد أشارت إلى هذا سورة {إذا جاء نصر الله من قوله: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر: 13] .
ولله درَ عبد بني الحسحاس في عبرته بقوله:
رأيت لمنايا لم يدعْنَ محمداً...
ولا باقياً إلاَّ لَهْ الموتُ مُرْصَداً
وقد عوضه الله تعالى بحياة أعلى وأجل ، إذ قال {ورفعنا لك ذكرك} [الشرح: 4] ، وبالحياة الأبدية العاجلة وهي أنه يَرُدُّ عليه روحَه الزكية كلَّما سلّم عليه أحد فيردّ عليه السلام كما ثبت بالحديث الصحيح.
وإنما سمَّى الحياة رحمة له ولمن معه ، لأن في حياته نعمة له وللناس ما دام الله مقدراً حياته ، وحياة المؤمن رحمة لأنه تكثر له فيها بركة الإِيمان والأعمال الصالحة.
والاستفهام في {أرأيتم} إنكاري أنكر اندفاعهم إلى أمنيات ورغائب لا يجتنون منها نفعاً ولكنها مما تمليه عليهم النفوس الخبيثة من الحقد والحسد.
والرؤية علمية ، وفعلها معلق عن العمل فلذلك لم يرد بَعْدَه مفعولاه ، وهو معلق بالاستفهام الذي في جملة جواب الشرط ، فتقدير الكلام: أرأيتم أنفسكم ناجين من عذاب أليم إن هلكتُ وهلك من معي ، فهلاكنا لا يدفع عنكم العذاب المُعدّ للكافرين.