ونظير هذا الاستعمال قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} في سورة النساء (41) وقوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} في سورة النحل (89) إذ جمع في الآيتين بين فعل نبعث مضارعاً وفعل {جئنا} ماضياً.
وأصل المعنى: فإذا يرونه تساء وجوه الذين كفروا الخ، فعدل عن ذلك إلى صوغ الوعيد في صورة الإخبار عن أمر وقع فجيء بالأفعال الماضية.
وضمير {رأوه} عائد إلى {الوعد} [الملك: 25] بمعنى: رأوا الموعود به.
والزُلفة بضم الزاي: اسم مصدر زَلف إذا قرب وهو من باب تعب.
وهذا إخبار بالمصدر للمبالغة، أي رأوه شديد القرب منهم، أي أخذ ينالهم.
و {سيئت} بني للنائب، أي ساء وجوهَهم ذلك الوعد بمعنى الموعود.
وأسند حصول السوء إلى الوجوه لتضمينه معنى كَلَحَتْ، أي لأنه سوء شديد تظهر آثار الانفعال منه على الوجوه، كما أسند الخوف إلى الأعين في قول الأعشى:
وأقدِم إذا ما أعيُن الناس تَفْرَقُ ...
{وقيل} أي لهم.
و {تدَّعون} بتشديد الدال مضارع ادَّعى.
وقد حذف مفعوله لظهوره من قوله: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الملك: 25] ، أي تدَّعون أنه لا يكون.
و {به} متعلق بـ {تدعون} لأنه ضمّن معنى"تكذّبون"فإنه إذا ضمّن عامل معنى عامل آخر يحذف معمول العامل المذكور ويذكر معمول ضمنه ليدل المذكور على المحذوف.
وذلك ضرب من الإيجاز.
وتقديم المجرور على العامل للاهتمام بإخطاره وللرعاية على الفاصلة.
والقائل لهم {هذا الذي كنتم به تدَّعون} ملائكة المحشر أو خَزنَة جهنم، فعدل عن تعيين القائل، إذ المقصود المقول دون القائل فحذْف القائل من الإِيجاز.