والكتب أدخلهم في اليوم الآخر الجنة، وقل لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ
فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) . ثم أعلم أن لكل عمل من الطاعات فيما هنالك
جزاؤه المطابق له، وكذلك أعمال توجب النار وما فيها.
كذلك نظم بذلك قوله - عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً
نَصُوحًا ... (8) . يعني: مزيد الإيمان الذي تقدم ذكره في تفسير قوله:(أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)ومن
لم يطالب نفسه في كل يوم بالتوبة النصوح والتطهر ويفتشها ويحاسبها ويتطلب
المعرفة ويسأل ربه المزيد من الإيمان واليقين والعلم، وإلا خلفت ذلك الغفلة
والنسيان وطال الأمد في ذلك فتحققت القسوة، وربما أضن إلى النكوص ثم
التزيين، نسأل الله المعافاة والتوبة النصوح الخالصة.
قيل: إن ذلك مأخوذ من النصاح، وهو الحائط؛ أي: توبة مفردة لا يتعلق بها
سواها، كالحائط المفرد من كل شيء سواه، وربما كان مأخوذًا من النصيحة، وذلك
بأن ينصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولنفسه ولأهله ولإمامه ولعامة المسلمين
وخاصتهم، ولا يبلغ حقيقة التوبة حتى يكون هكذا ويحل هذا المحل.
نظم بذلك قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ...(10)
كانت امرأة نوح اللَّه كافرة، وامرأة لوط كانت منافقة، فكان لها نظر
إلى الكفرة ونظر إلى لوط - عليه السلام - وأهل بيته.
قال الله - عز من قائل: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(35)
هم: لوط - عليه السلام - وبناته (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(36) .
هو: لوط وبناته وزوجه، فلما أخرج أهل البيت وأمرهم الله ألَّا يلتفت أحد منهم،
فالتفتت المرأة فمسخت لذلك تمثالاً مالحًا، قال الله - عز وجل -: (إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ
الْغَابِرِينَ (83) . فلم ينفع المؤمنان الكريمان على ربهما أمرأتيهما ولا
أغنيا عنهما من الله شيئا.