فالذي يريد من البشر أن يفعل شيئاً لا بد أن يملك أولاً القدرة على الفعل .. والوقت الذي سيتم فيه الفعل .. والمكان الذي سيتم فيه الفعل.
فإذا قلت: سأذهب إلى فلان غداً، فيجب أن أملك القدرة في أن أكون موجوداً غداً على قيد الحياة، وأنا لا أملك هذه القدرة بل الله وحده هو الذي يملكها.
وقد أكون موجوداً لكنني لا أستطيع أن أذهب لمقابلة هذا الشخص، قد أمرض فجأة، وقد يأتيني شيء عاجل يشغلني عنه، أو قد يهبط علي ضيف غير متوقع.
وقد أكون على قيد الحياة، وبصحة جيدة، وليس لدي ما يمنعني من أن أتم هذه المقابلة، لكن من سأذهب إليه، قد أذهب إليه فلا أجده في منزله لأي سبب من مرض أو شغل مفاجئ يمنعه من المقابلة.
فالإنسان لا يملك عنصراً واحداً من عناصر القدرة على العمل، ليقول أنه سيفعل كذا في مكان كذا في وقت كذا.
ولكن الذي يملك القدرة هو الله سبحانه، فهو القادر الذي يقول للشيء كن فيكون، ولا يعجزه شيء، ولا يمنعه شيء.
فالفعال لما يشاء هو الله وحده، أما نحن جميعاً فكلنا فعالون لما يشاء الله سبحانه.
فما دام العمل يدخل في المشيئة فهو سيتم قطعاً، لأن الله وحده هو الفعال، لا راد لقضائه.
وما دام العمل لا يدخل في المشيئة فلن يتم قطعاً، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) } [الكهف: 23، 24] .
فالله هو الفعّال لما يشاء، وأما الإنسان فليس له من الأمر شيء، والله يريد أن يذكرنا بنعمه، وأن نعلم أن الفضل منه، وأن الذي أعطى يستطيع أن يأخذ، وأن الذي منح يستطيع أن يمنع.
إن الإنسان حين يغتر بقدرته يبطش ويظلم، ويفتك بالضعفاء، ويطغى ويفسد في الأرض.
أما إذا تذكر أن هذا كله من قدرة الله، وأن الله إن شاء منح، وإن شاء أخذ، وإن شاء أعطى، وإن شاء أوقف هذا العطاء، فإن خشيته تدخل في قلبه، فتجعله يراجع نفسه فلا يبغي ولا يظلم، ويخشى الله في كل عمل يعمله، وفي هذا صلاح الكون كله.