إن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان، وجعل له مشيئة يختار بها ما يشاء، وميزه بالقدرة على الاختيار بين البدائل، وهو ما لم يعطه لغيره من الخلق.
وفوق مشيئة الإنسان مشيئة الله التي يخضع لها كل شيء في الكون كما قال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) } [التكوير: 27، 29] .
وبعض الناس يرى في هذا تعارضاً، وفي الواقع أنهما متفقان تماماً.
فالإنسان حر في أن يختار هذا أو ذاك، ولكنه لا يستطيع أن يحقق ما يريده بالضبط إلا إذا شاء الله.
فقد يريد الإنسان نفع أحد أو أذى أحد، ولكنه لا يصل إلى ما يريد دائماً، فإذا التقى ما يريده مع المشيئة تم، وإذا لم يلتق مع مشيئة الله فإنه لا يتم.
وقد يسعى رجلان لهدف واحد، أحدهما يحققه، والآخر لا يحققه، سواء اختار طريق الخير أو الشر، الاختيار لهما، ولكن التوفيق أو الإتمام يأتي بمشيئة الله. ولذلك يصف الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة بأنه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) } [الطارق: 9] .
فإذا وقف شخصان مثلاً أمام رجل فقير محتاج:
أحدهما: يضع في يده المال سراً.
والثاني: يعطيه المال أمام الناس رياءً.
فتكتب للأول حسنة، ولا تكتب للثاني.
فمشيئة الله عزَّ وجلَّ أن يصل للرجل درهمان، ولو عن طريق غير طريق إرضاء
الله بالإحسان إلى الفقير.
فيأتيه درهم بالإحسان .. ويأتيه درهم آخر بالتباهي والتفاخر.
ورغم أن هدفهما مختلف، إلا أن مشيئة الله تمت، ووصل إلى هذا الرجل رزقه الذي قدره الله له.
فالإنسان يختار بين البدائل، ويسعى في الخير أو الشر، ويأتي الشيطان ليغري، وطاعة الله لتذكر الإنسان، ثم يتم العمل إذا التقت المشيئة به، أما إذا لم تلتق، فقد يأتي شيء يوقف هذا كله.
والله عزَّ وجلَّ مالك كل شيء، وبيده كل شيء، وهو الذي يملك القدرة على الفعل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
أما البشر وغيرهم من المخلوقات فهم عاجزون تماماً عن الفعل أو الترك إلا بمشيئة الله.