وقد فرق الله بين مشيئته ومحبته، فقد يشاء الله ما لا يحبه كمشيئته لخلق إبليس وجنوده، وكل شر ومصيبة ومعصية.
وقد يحب ما لا يشاء كونه، كمحبته إيمان الكفار، وطاعات الفجار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء لوجد ذلك كله.
والله سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه، فإن المراد نوعان:
مراد لنفسه .. ومراد لغيره.
فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، ولما فيه من الخير كالطاعات.
والمراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له.
فالله عزَّ وجلَّ خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان، وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الله، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل حيلة، وهو مبغوض للرب لعنه الله ومقته، ومع ذلك فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، وجودها أحب إلى الله من عدمها كما ذكرناها آنفاً.
وكل شيء في هذا الكون واقع بمشيئة الله وقضائه وقدره، فإنه سبحانه يخلق ما يحب وما يكره، وهو الحكيم العليم.
فكما أن الأعيان كلها خلقه، وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده وذريته، وسائر الأعيان الخبيثة.
وفيها ما يحبه ويرضاه كأنبيائه ورسله، وملائكته وأوليائه.
فهكذا الأفعال كلها خلقه.
ومنها ما هو محبوب له .. ومنها ما هو مكروه له.
فالمحبوب كالطاعات والحسنات، والمبغوض كالمعاصي والسيئات التي خلقها لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان.
والكفر والشرك واقعان بمشيئة الله وقدره، والإيمان والتوحيد واقعان بمشيئة الله وقدره.
وأحدهما محبوب للرب مرضي له .. والآخر مبغوض له مسخوط.
فالإيمان والطاعات والحسنات كلها محبوبة لله، وقد أمر بها.
والشرك والمعاصي والسيئات كلها مكروهة لله، وقد حذر منها.