فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا، وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية، ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة.
لقد عطلوا هذه الأجهزة وعاشوا غافلين، فهم أضل من الأنعام، لأن الأنعام لها استعدادات فطرية تهديها، تقبل إذا دعيت، وتنزجر إذا زجرت.
أما الجن والإنس، فقد زودوا بالقلب الواعي، والعين المبصرة، والأذن السامعة، فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا، فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكلة إلى استعداداتها الفطرية الهادية.
فكفار الجن والإنس، كل حيوان بهيم أهدى منهم، وهم أضل منه سبيلاً. فما أضل هؤلاء في الدنيا، وما أخسرهم في الآخرة: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان: 44] .
إن كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون مخلوقة بقدر، مدبرة بحكمه، فلا شيء
جزاف، ولا شيء عبث، ولا شيء مصادفة، ولا شيء ارتجال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر: 49] .
قدر يحدد وجوده .. وقدر يحدد حقيقته .. وقدر يحدد صفته .. وقدر يحدد وظيفته .. وقدر يحدد مقداره .. وقدر يحدد عمره .. وقدر يحدد مكانه .. وقدر يحدد زمانه .. وقدر يحدد ارتباطه بما حوله من أشياء .. وقدر يحدد تأثيره في كيان هذا الوجود.
قدر في كل شيء .. قدر يحدد الأبعاد بين النجوم والكواكب .. وأحجام المخلوقات وكتلها .. وألوانها وصورها .. ونموها وتكاثرها .. وسيرها وحركتها: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر: 49] .
قدر يحدد وضع الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن تكون فيها.
فحجم هذه الأرض .. وبعدها عن الشمس .. وكتلة الشمس .. ودرجة حرارتها .. وميل الأرض على محورها بهذا القدر .. ودورة الفلك .. وبعد الشمس والقمر عن الأرض .. وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض .. ومهاب الرياح .. واختلاف الفصول .. إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديراً دقيقاً .. لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء.
فسبحان العليم القدير، الذي قدر هذه المقادير والأقدار.