{إِنَّ ذَلِكَ} ؛ أي: إثباتها في كتاب مع كثرتها {عَلَى اللَّهِ} متعلق بقوله: {يَسِيرٌ} غير عسير لاستغنائه فيه عن العدة والمدة، وان كان عسيرًا على العباد. والمعنى؛ أي: إن علمه بالأشياء قبل وجودها وكتابته لها طبق ما توجد في حينها يسير عليه تعالى؛ لأنه يعلم ما كان، وما سيكون وما لا يكون، أخرج الحاكم وصححه عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها، فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:"إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار"، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقول هكذا، كان يقول:"كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار". ثم قرأ: و {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} .
ففي الآية: توطين للنفوس على الرضا بالقضاء والصبر على البلاء، وحمل لها على شهود المبتلى في عين البلاء، فإن به يسهل التحمل، وإلا فمن كان غافلًا عن مبدأ اللطف، والقهر فهو غافل في اللطف والقهر، ولذا تعظم عليه المصيبة، بخلاف حال أهل الحضور؛ فإنهم يلتذون بالبلاء التذاذهم بالعافية، بل ولذة البلاء فوق لذة العافية، ومن أمثال العرب ضرب الحبيب زبيب؛ أي: لذيذ.
23 - {لِكَيْلَا تَأْسَوْا} يقال: أسى على مصيبة يأسى أسى من باب علم إذا حزن والجار والمجرور فيه متعلق بمحذوف، تقديره: أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب لكيلا يحصل لكم الحزن والألم، أي: لكيلا تحزنوا حزنًا يوجب القنوط كما يقيد بذلك في الفرح، وإلا فالحزن والفرح: الطبيعيان لا يخلو عنهما الإنسان. {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية. {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} ؛ أي: أعطاكم الله منها. فإن من علم أن كلا من المصيبة والنعمة مقدر يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آتٍ؛ إذ يجوز أن يقدر ذهابه عن قريب، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا يحزن على فواته.