وذكر ربيع بن صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج حين أراد قتله، فبكى رجل من قومه، فقال سعيد: ما ييكيك؟ قال: ما أصابك، قال: فلا تبك قد كان في علم الله أن يكون هذا ألم تسمع قول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} ؟ قال في"الروضة": رؤي الحجاج في المنام بعد وفاته، فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتيل قتلة. وبسعيد بن جبير سبعين قتلة. وفصل المصيبة هنا بقوله: {فِي الْأَرْضِ} و {فِي أَنْفُسِكُمْ} وأجمل في التغابن حيث قال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} موافقة لما قبلها. لأنه فصَّل هنا بقوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الآية، بخلافه ثَمَّ.
وفي الآية: دليل على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها، كذا جميع أعمال الخلق بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ليستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه تعالى عالمًا بجميع الأشياء قبل وجودها، وليعرفوا حلمه؛ فإنه تعالى مع علمه أنهم يقومون على المعاصي خلقهم، ورزقهم وأمهلهم، وليحذروا من أمثال تلك المعاصي، وليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم للطاعات وعصمته إياهم من المعاصي، وفيها دليل أيضًا على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها؛ لأن إثباتها في الكتاب قبل علمها محال، ولو سأل سائل: أن الله تعالى هل يعلم عدد أنفاس أهل الجنة؟ يقال له: إن الله يعلم أنه لا عدد لأنفاسهم.
والمعنى: أي ما أصابكم أيها الناس من مصائب في آفاق الأرض كقحط وجدب وفساد زرع، أو في أنفسكم من أوصاب وأسقام إلا في أم الكتاب من قبل أن نبرأ هذه الخليقة.