ولا غرابة في هذا ، لأن الأمم الماضية أمم كثيرة. وفيها أنبياء كثيرة ورسل ، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها.
أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين جميع الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير ، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير.
ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير ، لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة.
فأما كون قوله {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين ، فلأن الله قال {والسابقون السابقون أولئك المقربون فِي جَنَّاتِ النعيم} [الواقعة: 10 - 12] ثم قال تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} .
وأما كون قوله: {وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} [الواقعة: 40] في خصوص أصحاب اليمين ، فلأن الله تعالى قال {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لاًّصْحَابِ اليمين ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} [الواقعة: 36 - 40] ، والمعنى هم أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، وهذا واضح كما ترى.
عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)
السرر جمع سرير ، وقد بين تعالى: أن سررهم مرفوعة في قوله: في الغاشية {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} [الغاشية: 13] وقوله تعالى {مَّوْضُونَةٍ} منسوجة بالذهب ، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت ، وكل نسج أحكم ودخل بعضه في بعض ، تسميه العرب وضنا ، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا ، ومنه الدرع الموضونة غذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.
ومنه قول الأعشى:
ومن نشج داود موضونة... تساق مع الحي عيرا فعيرا
وقوله أيضاً: