رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، وجعلها عند اللَّه ذخرًا وزادا لوقت فقره وحاجته.
ورجل زهد فيها؛ خوفا من التقصير في عبادة اللَّه تعالى في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - .
وأما من ترك الدنيا وما أنشأ اللَّه تعالى فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستخف بنعم اللَّه تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا وما فيها، فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، واللَّه أعلم.
وعلى ذلك يخرج"إن حب الدنيا رأس كل خطيئة": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فهي رأس كل حسنة وطاعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...(21)
يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أهل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جمع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة اللَّه وجنته، واللَّه أعلم.
ويحتمل تسبقون آجالكم بأعمالكم التي توجب لكم المغفرة واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...) الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ(32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ)، وقال - تعالى -: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) ، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، واللَّه أعلم.