(ثم إنكم أيها الضالون المكذبون . لآكلون من شجر من زقوم) . . ولا يدري أحد ما شجرة الزقوم إلا ما وصفها الله به في سورة أخرى من أن طلعها كرؤوس الشياطين . ورؤوس الشياطين لم يرها أحد ولكنها تلقي في الحس ما تلقيه ! على أن لفظ (الزقوم) نفسه يصور بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدببا يشوك الأكف - بله الحلوق - وذلك في مقابل السدر المخضود والطلح المنضود - ومع أن الزقوم كرؤوس الشياطين ! فإنهم لآكلون منها (فمالئون منها البطون) . . فالجوع طاغ والمحنة غالبة . . وإن الشوك الخشن ليدفع إلى الماء لتسليك الحلوق وري البطون ! وإنهم لشاربون (فشاربون عليه من الحميم) . . الساخن الذي لا يبرد غله ولا يروي ظمأ . (فشاربون شرب الهيم) . . وهي الإبل المصابة بداء الاستسقاء لا تكاد ترتوي من الماء ! (هذا نزلهم يوم الدين) . . والنزل للراحة والاستقرار . ولكن أصحاب الشمال هذا نزلهم الذي لا راحة فيه ولا قرار ! هذا نزلهم في اليوم الذي كانوا يشكون فيه , ويتساءلون عنه , ولا يصدقون خبر القرآن به . كما كانوا يشركون بالله ولا يخافون وعيده بذلك اليوم المشهود . .
بهذا ينتهي استعراض المصائر والأقدار , يوم تقع الواقعة . الخافضة الرافعة . وينتهي كذلك الشوط الأول من السورة .
فأما الشوط الثاني في السورة فيستهدف بناء العقيدة بكليتها , وإن كان التوكيد البارز فيه على قضية البعث والنشأة الأخرى . وفيه تتجلى طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية , وفي تناول الدلائل الإيمانية , وفي التلطف إلى النفوس في بساطة ويسر , وهو يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبة الميسورة . .