فلئن كان أصحاب اليمين في ظل ممدود وماء مسكوب . . فأصحاب الشمال (في سموم وحميم . وظل من يحموم , لا بارد ولا كريم) . . فالهواء شواظ ساخن ينفذ إلى المسام ويشوي الأجسام . والماء متناه في الحرارة لا يبرد ولا يروي . وهناك ظل ! ولكنه (ظل من يحموم) . . ظل الدخان اللافح الخانق . . إنه ظل للسخرية والتهكم . ظل (لا بارد ولا كريم) . . فهو ظل ساخن لا روح فيه ولا برد ; وهو كذلك كز لا يمنح وراده راحة ولا إنعاشا ! . . هذا الشظف كله جزاء وفاق: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) . . وما آلم الشظف للمترفين ! (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) . . والحنث الذنب . وهو هنا الشرك بالله . وفيه إلماع إلى الحنث بالعهد الذي أخذه الله على فطرة العباد أن يؤمنوا به ويوحدوه . (وكانوا يقولون:أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون ?) كانوا ... هكذا يعبر القرآن , كأنما الدنيا التي فيها المخاطبون قد طويت وانتهت فإذا هي ماض . والحاضر هو هذا المشهد وهذا العذاب ! ذلك أن الدنيا كلها ومضة . وهذا الحاضر هو العقبى والمآب .
وهنا يلتفت السياق إلى الدنيا في أنسب الأوقات لهذه اللفتة ليرد على سؤالهم ذاك: (قل:إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) . . هو هذا اليوم الحاضر المعروض المشهود !
ثم يعود إلى ما ينتظر المكذبين . فيتم صورة العذاب الذي يلقاه المترفون: