إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة , قضايا كونية كبرى ; يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود ; وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود . كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير ; وحياة للأرواح والقلوب , ويقظة في المشاعر والحواس . يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها ; ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها !
إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة . كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم , ولا عن مألوف حياتهم , ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم . . إنه لا يبعد لهم في فلسفات معقدة , أو مشكلات عقلية عويصة , أو تجارب علمية لا يملكها كل أحد . . لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة , وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة .
إن أنفسهم من صنع الله ; وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته . والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده . وهذا القرآن قرآنه . ومن يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم . يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم , التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها . لأنهم لطول ألفتهم لها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها . يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها ; فتطلع على السر الهائل المكنون فيها . سر القدرة المبدعة , وسر الوحدانية المفردة , وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم هم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم ; والذي يحمل دلائل الإيمان , وبراهين العقيدة , فيبثها في كيانهم , أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق .