وَلْيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ وَالتَّمَاسُكَ إِنَّمَا هُوَ سَاعَةٌ مِنَ الزَّمَانِ أَوْ نَحْوُهَا ثُمَّ يَغِيبُ الذِّهْنُ فَلا تَحُسُّ بِأَلَمٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشَجِّعَ نَفْسَهُ وَيَقُولُ إِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ ثُمَّ يَتَلَقَّى كُلُّ مُوَجَّهٍ مِنَ الْبَلاءِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا غَرَقَ الْحِسُّ بِمَوْجٍ لَا يُتَدَارَكُ غَدْرُ الْمَلاحِ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ حَفِظَ أَوَامِرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِحَّتِهِ حَفِظَهُ الله فِي شدته قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهِ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشَّدَّةِ
أَلا تَرَى أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا وَقَعَ فِي تِلْكَ الشِّدَّةِ وَكَانَتْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ أَخَذَتْ بِيَدِهِ فَنَجَا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ عَمَلُ خَيْرٍ لَمْ يَجِدْ مُتَعَلَّقًا وَقْتَ الشِّدَّةِ فَقِيلَ لَهُ الْآن.
وَكَانَ عبد الصمد الزَاهِدُ يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ سَيِّدِي لِهَذِهِ السَّاعَةِ خَبَّأْتُكَ.
(فصل)
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّبْرُ فِي أَوَّلِ صَدْمَةٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَا أُخِذَ مِنْهُ وَيُوقِنَ بِحُسْنِ الْجَزَاءِ وَذَلِكَ يُهَوِّنُ الصَّبْرَ
وَمِنْ عَلامَةِ الصَّبْرِ الْكَفُّ عَنْ تَمْزِيقِ ثَوْبٍ أَوْ لَطْمِ خَدٍّ وَحَبْسُ اللِّسَانِ عَنِ اعْتِرَاضٍ وَتَسَخُّطٍ وَالامْتِنَاعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوجِبُ إِظْهَارَهُ تَأَثُّرَ الْمُبْتَلِي وَلْيَعْلَمِ الْعَاقِلُ أَنَّ الْبَلايَا ضُيُوفٌ فَلْيُعِدَّ لَهَا قِرَى الصَّبْرِ
قَالَ الْحُكَمَاءُ الْعَاقِلُ يَفْعَلُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْمُصِيبَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْجَاهِلُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ
وَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ إِنَّكَ إِنْ صَبَرْتَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَإِلا سَلَوْتَ كَمَا تَسْلُو الْبَهَائِمُ. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...