ولا يحسب الناس أن دين الله عبث، فالحق يستمد قوته من ذاته، والجبار عز وجل يسمع ويرى، ويغار على دينه وحرماته، وهو العزيز الجبار، القوي الذي يدافع عن دينه وعباده المؤمنين، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) } [الحج: 38] .
فكل ما نرى من الكذب والافتراء، والصخب واللغط، والشبهات والتلبيسات، كلها منتهية مقطوع دابرها، ودابر أهلها، ودابر من دافع عنها، عاجلاً أو آجلاً.
أما الحق فهو باق ما بقي الزمان، وتعاقب الليل والنهار؛ لأن الله تكفل بحفظه،
وحيث ما حل الحق، وقضاء الشرع، كان هناك الأمن والطمأنينة في الدنيا والآخرة.
فالشريعة ليس فيها خلط ولا شبه، ولا أهواء، ولا ظلم، كما قال سبحانه: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) } ... [الأنعام: 57] .
فالحق والعدل في أبهى صوره، وأجمل حلله، في الإسلام لا في غيره، كما قال سبحانه: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) } ... [الإسراء: 105] .
وكلما جاءت شبهة زادت ولي الله تمسكاً بالحق، وزهداً بالباطل: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) } [الزخرف: 43] .
وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنة الشهوات.
وقد جمع الله بين الفتنتين في قوله سبحانه: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) } [التوبة: 69] .
وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل.
فالأول: أصل فتنة الشبهات، والثاني: أصل فتنة الشهوات.