فالأول أخطر النوعين وأخبثهما، وكلاهما خبيث يؤثر على ضعاف النفوس والهمج الرعاع، ويحدث بلبلة في أفكارهم وتصرفاتهم.
ولهذا يجب كشف هذه الشبهات الباطلة؛ لئلا تصد الناس عن دين الله.
لكن يجب في فقه الشبهات أمران:
الأول: أن لا يتصدى لرد الشبهات، وكشف زيفها إلا عالم متمكن من معرفة الحق والباطل بالأدلة الشرعية، حتى يحسن ويحكم إغلاق هذه الثغرات، ويسد هذه الشبهات، وهذا لا يستطيعه إلا العلماء الراسخون.
الثاني: ينبغي على طالب العلم ألا يشغل كل وقته بهذه الشبهات وردها؛ لأن الأعداء يريدون إشغال العلماء وأهل الإسلام عن الإسلام، والعمل به، وتعليمه، والدعوة إليه.
فيقذفون اليوم بشبهة وغداً بشبهة، فتكثر الردود، وتتنوع الإجابات، وتختلف الفتاوى، فيحصل الشك، ويقع الجدل، وإذا بالعلماء بعد مدة لا يستطيعون ولا يتفرغون لنشر الإسلام، ولا يجدون الفرصة لتعليم الناس أحكام دينهم.
وقد جاء البلاء من عدم الفقه بدين الله من صنفين من الناس:
من أناس يتصدرون لرد الشبهات بلا علم .. أو أناس يتصدون للشبهات حتى تضيع أوقاتهم فيها.
وحينئذ يحقق أعداء الإسلام ما يريدون بإقحام العامة ليقولوا ما شاؤوا بلا علم .. وإشغال العلماء عن الواجبات والأصول، وضبط العلم وفقهه وتعليمه الناس.
فالاشتغال بالشبهات ودراستها له قيمة في الدين، وهو من الحق الذي يزال به الباطل، لكن الاشتغال به أكثر من اللازم تضيع به حقوق وواجبات كبرى، أكد عليها الشرع وألزم بها عباده.
وليس المراد قفل باب الرد على الشبهات، فإنه من الدين، وإنما عدم المبالغة فيه، وعدم فتح الباب لكل أحد أن يقول ما شاء، وإنما ذلك للعلماء الراسخين الذين يعلمون على وجه الإجمال والتفصيل أن دين الله هو الحق، وأن ما سواه هو الباطل، وأن الباطل مهما كان لا يقف أمام الحق، كما قال سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } [الإسراء: 81] .