وأما {أَيُّهَ} فنقول: الحكمة في نداء المبهم والإتيان بالوصف بعده هي أن المنادي يريد صون كلامه عن الضياع، فيقول أولاً: يا أي نداء لمبهم ليقبل عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده، ثم عند إقبال السامعين يخصص المقصود فيقول: الرجل والتزم فيه أمران أحدهما: الوصف بالمعرف باللام أو باسم الإشارة، فتقول: يا أيها الرجل أو يا أيهذا لا الأعرف منه وهو العلم، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس والعلم المميز عن كل شخص تباعداً وثانيهما: توسط (هاء) التنبيه بينه وبين الوصف لأن الأصل في أي الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز، وأصل التمييز على ما بينا الإضافة، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة، والتزم أيضاً حذف لام التعريف عند زوال أي فلا تقول: يا الرجل لأن في ذلك تطويلاً من غير فائدة، فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا، فقولك: يا رجل مفيد فلا حاجة إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية، فإنها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام تطويلاً من غير فائدة لكونه جمعاً بين المعرفين، وقوله تعالى: {الثقلان} المشهور أن المراد الجن والإنس وفيه وجوه أحدها: أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما: سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب وإن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه ثقيلاً، وأما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيراً، فكما أن التراب لطف يسيراً فكذلك النار صارت ثقيلة، فهما ثقلان فسميا بذلك ثالثها: الثقيل أحدهما: لا غير وسمي الآخر به للمجاورة والاصطحاب كمايقال: العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر، أو يحتمل أن يكون المراد العموم بالنوعين الحاصرين، تقول: يا أيها الثقل الذي هو كذا، والثقل الذي ليس كذا، والثقل الأمر العظيم.
قال عليه السلام:"إني تارك فيكم الثقلين". انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 29 صـ 91 - 99}