وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ أي: للخلق أي جعلها بحيث تلائمهم وتناسبهم قال ابن كثير: (أي كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات؛ لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها)
وقد فسر الوضع للأنام بالآيتين التاليتين: فِيها فاكِهَةٌ أي: ما يتفكه به من فواكه مختلفة الألوان والطعوم والروائح وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ الأكمام هي أوعية الثمر، أو كل ما يكم أي يغطى من ليفه وسعفه وغير ذلك، قال النسفي: (وكله(أي: النخل) منتفع به، كما ينتفع بالمكموم من ثمره، وجماره، وجذوعه) قال ابن كثير: (أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبا ويابسا) وكما جعل في الأرض الفاكهة والنخل، جعل فيها الحب والريحان للطعام والجمال
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ العصف: هو ورق الزرع أو التبن وَالرَّيْحانُ الذي يشم أي فجعل لكم ما تتفكهون به وما تقتاتون وما تتلذذون بمنظره ورائحته، وذلك كله من مظاهر جعل الأرض موضوعة للأنام
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي: نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تُكَذِّبانِ فلا تعبدان ولا تتقيان، قال ابن كثير:
(أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها) .
أقول: وإذ كان الأمر كذلك فعليكم أن تشكروا خالقها وموجدها، وذلك بعبادته وتقواه.
كلمة في السياق:
1 -قلنا إن محور سورة الرحمن من سورة البقرة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فلنر صلة ما مر بنا من سورة الرحمن بهاتين الآيتين:
-جاء في سورة الرحمن قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ ولذلك صلته بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.