وَمَعَ هَذَا فَلَو شَاهدهَا العبادعلى كثرتها وتنوعها وَهِي تسبح بِحَمْد رَبهَا مَعَ الثِّمَار والأفنان والأشجار لشاهدوا من جمَالهَا أمرًا آخر ولرأوا خلقتها بِعَين أخرى، ولعلموا أنها لشأن عَظِيم خلقت، وَأَنَّهَا لم تخلق سدى قَالَ تَعَالَى {والنجم وَالشَّجر يسجدان}
فالنجم مَا لَيْسَ لَهُ سَاق من النَّبَات وَالشَّجر مَا له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ {وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}
ولعلك أن تكون مِمَّن غلظ حجابه فَذهب إلى أن التَّسْبِيح دلالتها على صانعها فَقَط فَاعْلَم أن هَذَا القَوْل يظْهر بُطْلَانه من أكثر من ثَلَاثِينَ وَجها قد ذكرنَا أكثرها فِي مَوضِع آخر.
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) }
(فصل)
وَفِي"صَحِيحِ مسلم"عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ»
وَفِي"سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ": مِنْ حَدِيثِ أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
«أَلَا مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا، فِي حِبَرَةٍ وَنَضْرَةٍ، فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا قَالَ: قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»
الرَّيْحَانُ كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، فَكُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ يَخُصُّونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَهْلُ الْغَرْبِ يَخُصُّونَهُ بِالْآسِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنَ الرَّيْحَانِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ يَخُصُّونَهُ بِالْحَبَقِ.