{والسماء رَفَعَهَا} أي خلقَها مرفوعةً محلاً ورتبةً حيثُ جعلَها منشأَ أحكامِه وقضاياهُ ومتنزَّلَ أوامرِه ومَحَلَّ ملائكتِه ، وفيهِ من التنبيهِ على كبرياءِ شأنِه وعظمِ ملكِه وسلطانِه ما لا يَخْفى. وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ. {وَوَضَعَ الميزان} أيْ شرعَ العدلَ وأمرَ بهِ بأنْ وفَّرَ كلَّ مستحقَ ما استحقَّهُ ووفَّى كلَّ ذِي حقَ حقَّهُ حتى انتظمَ به أمرُ العالمِ واستقامَ ، كَما قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:"بالعدلِ قامتِ السماواتُ والأرضُ"قيلَ: فَعلى هذا الميزانُ: القرآنُ ، وهو قُولُ الحسينِ بنِ الفضلِ ، كما في قولِه تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان} وقيلَ: هو ما يُعرفُ به مقاديرُ الأشياءِ من ميزانٍ ومكيالٍ ونحوِهما ، وهو قولُ الحسنِ وقتادةَ والضَّحاكِ فالمَعْنى خلقَه موضوعاً مخفوضاً على الأرضِ حيثُ علقَ به أحكامَ عبادهِ وقضايَاهُم ومَا تعّبدهُم بهِ من التسويةِ والتعديلِ في أخذِهم وإعطائِهم. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الميزان} أيْ لئلا تطغَوا فيهِ على أنَّ"أنْ"ناصبةٌ ولا نافيةٌ ولامَ العلةِ مقدرةٌ متعلقةٌ بقولِه تعالى ووضعَ الميزانَ أو أن لا تطغَوا على أنَّها مفسرةٌ لما في الشرعِ من مَعْنى القولِ ولا ناهيةٌ أي لا تعتدُوا ولا تتجاوزُوا الإنصافَ. وقُرِىءَ لا تطغَوا على إرادةِ القولِ. {وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط} قوِّموا وزنَكُم بالعدلِ وقيلَ: أقيمُوا لسانَ الميزانِ بالقسطِ والعدلِ ، وقيلَ: الإقامةُ باليدِ والقسطُ بالقلبِ ، {وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} أي لا تُنقصُوه ، أمرَ أولاً بالتسويةِ ثمَّ نهَى عن الطغيانِ الذي هو اعتداءٌ وزيادةٌ ثمَّ عن الخسران الذي هو تطفيفٌ ونقصانٌ وكررَ لفظَ الميزانِ تشديداً للتوصية به وتأكيداً للأمرِ باستعمالِه والحثِ عليهِ. وقُرِىءَ ولا تَخسُروا بفتحِ التاء وضم السين وكسرها يقال: خسر الميزان يخسره وبفتح السينِ أيضاً