انتهى ، ولم يأت من خالف الجمهور ، وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلاّ بمجرد استبعاد ، فقال: لأنه لو انشق في زمن النبوّة لم يبق أحد إلاّ رآه ؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء.
ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلاً ، ولا شرعاً ، ولا عادة ، ومع هذا ، فقد نقل إلينا بطريق التواتر ، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ، ويضرب به في وجه قائله.
والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله ، فقد أخبرنا بأنه انشقّ ، ولم يخبرنا بأنه سينشق ، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت في الصحيح ، وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوّة ، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم ، فقد اتفقوا على هذا ، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذّ ، واستبعاد من استبعد ، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله.
{وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} قال الواحدي: قال المفسرون: لما انشقّ القمر قال المشركون: سحرنا محمد ، فقال الله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً} يعني: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ، ويقولوا: سحر قويّ شديد يعلو كل سحر ، من قولهم استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم ، وقد قال بأن معنى {مستمرّ} : قوي شديد جماعة من أهل العلم.
قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل ، وهو شدّة فتله ، وبه قال أبو العالية ، والضحاك ، واختاره النحاس ، ومنه قول لقيط:
حتَّى استمرّت على شَر لا يزنه... صِدْقُ العزيمة لا رثا ولا ضَرَعا
وقال الفراء ، والكسائي ، وأبو عبيدة: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي: ذاهب ، من قولهم مرّ الشيء ، واستمرّ إذا ذهب ، وبه قال قتادة ، ومجاهد ، وغيرهما ، واختاره النحاس.
وقيل: معنى مستمرّ: دائم مطرد ، ومنه قول الشاعر:
ألا إنما الدنيا ليال وأعصر... وليس على شيء قديم بمستمر
أي: بدائم باق ، وقيل: {مستمرّ} : باطل ، روي هذا عن أبي عبيدة أيضاً.