ووقف وجعل يرددها، فقال الأعرابي: يا فقيه إذا لم يأذن لك أبوك في هذا الليل نظل نحن وقوفا إلى الصباح، ثم تركه وانصرف.
ولزم أعرابي سفيان بن عيينة مدة يسمع منه الحديث، فلما أن جاء ليسافر قال له سفيان: يا أعرابي ما أعجبك من حديثنا؟ قال: ثلاثة أحاديث، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الحلوى والعسل، وحديثه عليه الصلاة والسلام: إذا وضع العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا بالعشاء، وحديث عائشة عنه أيضا: ليس من البر الصوم في السفر.
وانفرد الرشيد وعيسى بن جعفر ومعه الفضل بن يحيى، فإذا هو بشيخ من الأعراب على حمار وهو رطب العينين، فقال له الفضل: هل أدلك على دواء لعينيك؟
قال: ما أحوجني إلى ذلك، قال: خذ عيدان الهواء وغبار الماء فصيره في قشر بيض الذر واكتحل به ينفعك، فانحنى الشيخ وضرط ضرطة قوية وقال: خذ هذه في لحيتك أجرة وصفتك، وإن زدت زدناك. فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهر دابته.
وخرج معن بن زائدة في جماعة من خواصه للصيد، فاعترضهم قطيع ظباء، فتفرقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي حتى انقطع عن أصحابه، فلما ظفر به نزل، فذبحه، فرأى شيخا مقبلا من البرية على حمار. فركب فرسه واستقبله، فسلم عليه فقال: من أين وإلى أين؟ قال:
أتيت من أرض لها عشرون سنة مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها مقثاة، فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته، وقصدت به معن بن زائدة لكرمه المشكور، وفضله المشهور ومعروفه المأثور وإحسانه الموفور، قال: وكم أملت منه؟ قال: ألف دينار.
قال: فإن قال لك كثير، قال: خمسمائة، قال: فإن قال لك كثير. قال: ثلاثمائة. قال: فإن قال لك كثير. قال: