{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) }
كما أن من مزايا السجع في النظم الكريم: شدة ارتباط الفاصلة وتماسكها بما قبلها من الكلام، بحيث تنحدر على الأسجاع انحدارًا، وكأن ما سبقها لم يكن إلا تمهيدا لها، وبحيث لو حذفت لاختل معنى الكلام، ولو سُكِتَ عنها لاستطاع السامع أن يختمه بها؛ انسياقًا مع الطبع والذوق السليم. مثلًا: قول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} (النجم: 19 - 22) تجد أن كلمة: {ضِيزَى} الواقعة في الفاصلة تتماسك مع المعنى، وتنحدر على الأسجاع، وتنساق مع السياق انسياقًا تامًّا، وهي لفظة غريبة، ولكن غرابتها من أشد الأشياء ملاءمةً لغرابة تلك القِسمة التي أنكرها النظم الكريم. وهذا هو شأن الفواصل في جميع آي الذكر الحكيم. كما تتبدى بلاغة السجع: إذا خرج عفوًا غير مستكره ولا مستجلب، بل يأتي والكلام مطابق لمقتضى الحال، ويتمثل ذلك في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة الشريفة، وحِكم وأمثال العرب، وخطب الخلفاء الراشدين، ومَن سار سيرهم.
{أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) }
وفي قول الله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ} (النجم 59، 60) جمعَ بين تضحكون المثبت وضده تبكون المنفي، ونفي البكاء يجعل المعنى غير متضاد مع الضحك المثبت، ولكن وجود اللفظين المتضادين - {تَضْحَكُونَ} و {تَبْكُونَ} - في الأصل يجعل هذا النوع ملحقًا بالطباق، ولا يصح أن يدخل باب الطباق؛ لأن المعاني غير متضادة في الحقيقة.
هذا كلام مهم في تحديد معالم الطباق كما تشير إليها هذه الآيات والأحاديث التي نحن بصدد الحديث عنها. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...