كما أن اللبن خارج من بين الفرث والدم، وهو مبرأ عنهما مصفى عن شائبة كل واحد منهما.
الثاني: أنها طيبة بمعنى أن صاحبها يكون طيب الاسم فِي الدنيا، طيب المسكن فِي العقبى، أما طيب اسمه فلقوله تعالى (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) .
وأراد به المؤمنين والمؤمنات. وأما طيب المسكن فلقوله تعالى: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) .
الثالث: أنها طيبة بمعنى أنها مقبولة، يقبلها الله تعالى، وتصعد إليه، كما قال الله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) . قالوا: والسبب فِي أن
هذه الكلمة تصعد إلى الله تعالى بذاتها: أنها طيبة. وقال عليه السلام:"إن الطيب لا يقبل إلا الطيب".
وتمام التحقيق فيه: أن العقل والروح عشقان على التجلي والمعرفة والمكاشفة على ما سبق تقريره بالبرهان، والمعرفة مجذوبة إلى المعروف وإذا تصاعد العرفان إلى المعروف - والعرف ملازم للعرفان - انجذب العارف إلى المعروف، وصعد إليه. فذلك هو المراد من قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) .
فإن قيل: قال المفسرون: الشجرة الطيبة هي النخلة. فما السبب فِي تشبيه كلمة التوحيد بالنخلة؟
فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن شجرة النخلة لا تنبت فِي جميع البلدان، بل فِي بعض دون البعض، فكذلك كلمة التوحيد لا تجري على كل لسان، ومعرفة التوحيد لا تحصل فِي كل قلب.
الثاني: أن النخلة أطول الأشجار، وكذلك كلمة التوحيد أعلى الكلمات.
الثالث: أن الشجرة الطيبة ثابتة فِي الأرض، وفروعها فِي السماء، فهكذا أصل الكلمة الطيبة ثابت فِي القلب، وهو المعرفة، وفروعها ثابت فِي السماء (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) .
الرابع: أن النخلة تحمل كل سنة مرتين، فكذلك الإيمان يحمل فِي الدنيا مرة فيثاب المؤمن لأجل إيمانه بأهلية الشهادة والولاية والأمانة:
ومرة أخرى فِي الآخرة، وهي الجنة الباقية، والنعمة الدائمة.