فالله تعالى أزال هذا التوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال: (لا إله إلا هو) وذلك لأن قولنا: لا رجل فِي الدار، يقتضي نفي الماهية، ومتى انتفت الماهية، انتفي جميع أفرادها، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية لحصلت تلك الماهية، لأن كل فرد من أفراد الماهية يشتمل على الماهية، وإذا وجدت الماهية فذلك يناقض نفي الماهية، فثبت أن قولنا: لا رجل فِي الدار، يفيد النفي العام الشامل فإذا قيل بعد ذلك: إلا زيداً، أفاد التوحيد العام الكامل.
ثم اعلم أن لهذا ثمرتين:
الأولى: أن جوهر الإنسان خلق فِي الأصل مشرفاً مكرماً، قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) .
فإذا كان الأصل فيه كونه مكرماً، كان كونه مطهراً على وفق الأصل، وكونه منجساً على خلاف الأصل، ثم إنا رأينا الإنسان متى أشرك صار نجساَ، بدليل قوله تعالى: (إنما المشركون نجس)
فإذا كان الشرك يقتضي كونه نجساً مع ذلك على خلاف الأصل، فكونه موحداً بأن يقتضي كونه طاهراً أولى، لأنه على وفق الأصل.
وإذا ثبت أن الموحد كامل فِي كونه طاهراً وجب أن يكون من خواص الله تعالى، لقوله: (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) .
الثانية: أن الشرك سبب لخراب العالم، بدليل قوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).
وإذا كان الشرك سبب لخراب العالم، وجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة العالم ضرورة كون الضدين مختلفين فِي الحكم، فإذا ثبت أن كلمة التوحيد سبب لعمارة العالم، فأولى أن تكون سببا لعمارة القلب الذي هو محل الوحدانية ولعمارة اللسان الذي هو محل ذكر الوحدانية، وذلك يناسب عفو الله عن أهل التوحيد
الاسم الثاني:
أن هذه الكلمة تسمى (كلمة الإخلاص) .
وكان معروف الكرخي - رحمه الله - يقول: (يا نفس أخلصي تتخلصي) .